ما الذي يُشرع للبحث الفلسفي في الأخلاق؟ أو ما الذي يجعل من الأخلاق مشكلاً فلسفياً؟
ما يُشرع في البحث الفلسفي في الأخلاق هو عدم بداهتها وفقدان اليقين والتعارض والتناقض، ويتجلى ذلك في:
أ — تناقض خارجي
- عدم وجود بداهة أخلاقية في المكان، أي وجود تعارض بين الأنساق الأخلاقية وبين السعادات
- عدم وجود حقيقة أخلاقية ثابتة ونهائية في الزمان — فما يُعتبر قيمة وسعادة في عصر هو ليس قيمة في عصر آخر، فالتاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة أو مأساة
- عدم وجود مثل أعلى أخلاقي وعدم وجود سعادة مُثلى
ب — تناقض داخلي
يوجد تعارض داخل لوحة القيم، أي عناصر المنظومة الأخلاقية الواحدة متضاربة فيما بينها داخلياً.
طاعة الوالدين ≠ الصدق، إذ حين يأمرني والدي بالكذب فإن أطعت والدي صرت كاذباً، وإن صدقت لم أطع والدي — مما يعني عدم انسجام مبادئ نفس المنظومة الأخلاقية.
الأخلاق كما السعادة تمثل إشكالاً، خصوصاً إذا علمنا أن هناك خيِّراً يشقى وشريراً سعيد. مما يطرح مشكلاً هو:
ما طبيعة العلاقة بين الخير والسعادة؟
I في الاتصال بين الخير والسعادة
أ — الأساس الأخلاقي للسعادة: "أرسطو"
هناك ميل طبيعي إلى السعادة إذ كل الناس يرغبون في أن يكونوا سعداء. ويكمن الاختلاف في تحديد طبيعتها، وطرق بلوغها، وشروط تحققها، وعلاقتها بالخير.
السعادة تحوز على اتفاق في السعي إليها مع وجود اختلافات في ماهيتها والسبل والشروط وعلاقتها بالخير. لتجنب هذه الاختلافات يقدم أرسطو تصوراً هو:
السعادة هي أن يحيا الإنسان طبق الفضائل وأن تكون الفضائل مقترنة بالعقل والتأمل الذي هو أسمى متعة وأقدرها على الدوام. ويجب الانفصال على كل ما هو طبيعي لأن الأخلاق أساسها معياري وهي تحديد ما يجب فعله مما ولّد ثنائية الخير والشر.
الخير: مطلب وغاية ومعيار أخلاقي وفعل قيمي يرتبط بالفضيلة كتعقّل والحكمة ككمال، فالخير فكرة تقود السلوك نحو ممارسة فاضلة.
التعقّل + الحكمة + المتعة الموجّهة بالعقل + وفاق الناس + التجربة المشتركة + العيش بكيفية جميلة وخيّرة
السعادة خير أسمى + تصوّر ميتافيزيقي للسعادة
السعادة أمر ممكن والحكيم هو من يجد السبل لتحقيقها.
ليس: هل يمكن أن أكون سعيداً؟ وإنما: كيف أكون سعيداً؟
لأن أرسطو لا يبحث في الإمكانية بل يبحث في الكيفيّات.
ب — في ردّ السعادة إلى اللذة: "أبيقور"
يوجد خير واحد هو اللذة ويوجد شر واحد هو الألم + ثنائية اللذة والألم تأخذ مكان ثنائية الخير والشر.
- الخير الأسمى هو ما يتوافق مع طبيعة البشر
- الحكمة تكمن في القضاء على الألم في الجسد وتجنب اضطرابات النفس
- اللذة هي المنطلق والغاية لتحقيق السعادة
- السعادة تشترط السكينة والهدوء والاعتدال والتوازن والقضاء على الخوف، وخصوصاً الخوف من الموت
- الاكتفاء بالضروري والاعتدال
- التمسك باللذة الدائمة
ت — في ردّ السعادة إلى المنفعة: "بنتام"
العقل يقتضي أن يكون الإنسان أنفع لذاته وللآخرين، فالمنفعة هي المبدأ الأخلاقي الذي يقتضي تحصيل أكبر كمية ممكنة من السعادة — تصوّر كمّي يجعل الأخلاق وسيلة لبلوغ المنفعة. فالأخلاق الحقيقية هي التي تحقق فائدة لصاحبها.
المنفعة: فعل حسابي عقلي يقوم على تأويج الفائدة وتقليص الخسارة.
السعادة تتجاوز الفرد نحو سعادة المجموعة. الأخلاق نفعية وتسعى إلى كل ما هو كمّي وحسّي.
- اعتبار السعادة ميلاً طبيعياً
- الاتصال بين الخير والسعادة
- اعتبار السعادة ممكنة
- اعتبار الأخلاق وسيلة وليست غاية
- يختلفون في السُّبل
هل السعادة ممكنة فعلاً؟ أليست الأخلاق غاية في حد ذاتها؟
II الانفصال بين الخير والسعادة: "كانط"
- يرفض كانط الميل الطبيعي للسعادة
- يرفض أن تكون السعادة ممكنة
- يرفض أن تكون الأخلاق وسيلة
- يفصل بين الخير والسعادة
السعادة هي المطلب الأكثر شيوعاً بين الناس لكن لا أحد قادر على بلوغها.
- لأن الإنسان محدود بالجسد — الجسد محدود إذ هو فيزيولوجياً ضعيف
- الإنسان محدود بالزمان أي لا يملك الزمن الكافي ليحقق السعادة
- لأن السعادة مطلب حسي وتقوم على الميولات والغرائز
- في حين أن الأخلاق ترفض الغريزة
الأخلاق غاية في حدّ ذاتها: أي يجب احترام الواجب لذات الواجب دون انتظار أي غاية.
الأمر الأخلاقي الشرطي والأمر الأخلاقي القطعي
يميّز كانط بين الأخلاق الشرطية والأخلاق القطعية:
- تصوّر الفعل على أنه أخلاقي في حين أنه يهدف لغاية ويريد بلوغ نتيجة أو منفعة أو خوف أو طمع
- غياب الحرية والعقل والإرادة
- تقطع مع كل غاية لا أخلاقية وتحترم الواجب لذات الواجب
- نابعة من إرادة واختيار، تعبّر عن حرية
- تحترم العقل كعقل كلي وكوني
أخلاق صورية فارغة من كل محتوى مادي لا تُطلب إلا لذاتها + الفعل الأخلاقي يُقاس بمبادئه وليس بنتائجه.
III خاتمة
تظل الأخلاق مشكلاً ويظل الإنسان يطلب القيم ويعيش مفارقة وتمزقاً بين ما هو عليه فعلياً وما يطمح أن يكونه. لذلك لا توجد أخلاق بل أنساق أخلاقية مختلفة ومتنوعة ومتناقضة، ولا توجد سعادة مُثلى بل سعادات ممكنة وفق وضعيات. لذلك تظل الأخلاق مشروعاً مفتوحاً ومساراً وتكون السعادة رحلة دافعها التجربة لأن الإنسان تجربة تنشد الحرية.