I دلالة الخصوصية (إيريك فروم)
الخصوصية تعني الهوية وتحمل في مضمونها معنى الغير، فهويتي تتحدد بنظرة الآخر لي، أي إنها:
اختلاف + الهوية · تصنيف + صورة للنحن ومعيار انتماء وقيمة
يميّز إيريك فروم بين ثلاثة أنواع من الهوية:
- كيفية في إدراك الذات لذاتها من الداخل أي إحساس دون رموز أو علامات
- ما يميز الذات أو وعي الذات بذاتها من داخلها
- كيفية في إدراك الذات من الخارج عبر رموز وعلامات مثل اللباس واللغة والسلوك
- الحد الأدنى المشترك في مستوى رؤى العالم والقيم والكليات (totalités) والمثل الأعلى
- ما يجمع جماعات متباعدة جغرافياً لكنها تلتقي في الثقافة
لا توجد أنواع من الهوية بل الهوية الشخصية تتشكل داخل الهوية الجماعية وهي بدورها تتشكل داخل الهوية الثقافية.
أ — شروط تحقق الهوية
- الإنسانية: أي أن الأشياء والحيوانات بلا هوية لأنها لا تملك رموزاً
- الرمزية: أي تتشكل الهوية داخل الرموز، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يُرمِّز المكان والزمان والآخر والأشياء
- التجربة: أي نمط من الوجود يسمح بقول أنا بصفة شرعية
- القيمة: أي أن الهوية تتشكل في إطار قيمي وفي استحضار المعنى
شرط تحقق الهوية: الفاعلية واليقظة والتلقائية وتجاوز ما هو حسي ومادي والقدرة على التأثير
ب — أزمة الهوية
لأزمة الهوية مؤشرات:
- فقدان جذري لليقين
- تمدية (materialisation) الإنسان أي النظر للإنسان من زاوية الأشياء والمادة
- شكل حاد من الضياع
- العجز عن تحديد من يكون
ت — الحل لتجاوز أزمة الهوية
- تحقيق إشباع بالمعنى المادي والقيمي
- إكساب الوجود معنى وهدف
- الالتزام بالواقع والرغبة في التغيير والتأثير والفعل
- القدرة على قيادة الأنا تجنباً للاغتراب
- الانخراط في الكونية أي القدرة على التجذّر في قيم العصر
II الكونية (تعاون الخصوصيات)
فما الذي نعنيه بالكونية؟ كيف تكون الكونية نتاج تعاون الخصوصيات؟
الكونية هي الحد الأدنى المشترك بين الإنسانية في مستوى القيم، أي هي جملة توافقات أو معايير تجمع الإنسانية وتؤسس للقاء البشر وتجنبنا العنف وتفسح المجال لحكمة العيش المشترك. الكونية هي لقاء الإنسانية القائم على الحوار والاعتراف المتبادل واحترام المختلف.
توجد معايير تؤسس للفكر الكوني وهي:
- الكرامة
- الحرية: إذ كن حراً ما لم تضر — حرمة الشخص الجسدية والنفسية
- العدالة: التي لا تعني المساواة المطلقة بل الإنصاف أي الاستحقاق — إذ لكل شخص ما يستحق وفقاً لمجهوده
- الحق: إذ الاختلاف حق لكن لا اختلاف على الحق
أ — تعاون الخصوصيات (الفارابي)
الإنسان محتاج إلى غيره + لا يستطيع أي مجتمع أن يحقق حاجياته بمفرده + التبادل ضرورة لبلوغ الكمال المادي والمعنوي، أي كمال الجسد من أجل الحفاظ على البقاء وكمال النفس أي تهذيب الإنسان عبر تبادل المعارف والفنون والآداب.
- لا يمكن بلوغ الكمال إلا بلقاء الآخر أي بتعاون الشعوب والأمم
- الخصوصيات في حاجة إلى بعضها بعضاً من أجل تحقيق السعادة وتأسيس الفضيلة، إذ رهان السعادة والفضيلة غير ممكن إلا بتكامل الثقافات وتعاون البشر
- الكونية هي نتاج هذا التعاون المادي والقيمي
- الكونية هي النيل من الآخر بقدر الحاجة ومنح الآخر ما يحتاجه
الشعوب والثقافات ليست بالضرورة متعاونة بل تكون أحياناً في حالة صراع مما يدعو إلى التساؤل: ما سبب صراع الخصوصيات؟
ب — صراع الخصوصيات (مونتانيو)
إن مشكل الخصوصية والكونية يجيب عن سؤال من نحن ويوضّح أن هذه النحن تتشكل داخل الثقافة وأن النحن تتحدد بشروط وتسقط في أزمة وتبحث عن حل وندرك أنها متجذرة في الكونية أي في قيم متوافق حولها تحصل بفضل التعاون.
أحياناً يتحطم الفكر الكوني والنحن تحت تأثير التعصب.
التعصب داء يصيب الإنسان يجعله قوة عمياء همها الوحيد تأكيد ذاتها على حساب الغير، وهو أداة استعمال يقع التلاعب بها لتحقيق أهداف ومنافع. التعصب خاصية إنسانية يتعلق برؤية للعالم ترفض المختلف وتقوم على الإقصاء.
أسباب التعصب (تعالت — سبب خاطئ)
- تقييم الآخر بمعيار حكمنا الذوقي والأخلاقي والجمالي
- تقييم الآخر داخل ثقافة النحن المعيارية إذ نعتقد أن ثقافتنا هي المقياس وأننا الأفضل
- امتلاك تصور حول المعقول واللامعقول في حين أن المعقول اجتماعي وتاريخي
نتائج التعصب
- إخراج المغاير من النظام الطبيعي
- عدم إدراك الآخر في تفرده وخصوصياته مما يؤدي إلى إفقار الثقافة
- الاعتقاد في أفضلية وكمال ما ننتمي إليه
- اعتبار أن ثقافتي هي المركز مما ينتج إقصاءً وتهميشاً وعدم اعتراف
الحل لتجاوز التعصب
- تشكيل أنفسنا على شاكلة الطبيعة أي تعلم درس الاختلاف والتنوع من الطبيعة — إذ الكائنات والنباتات والحيوان يتعايشون في إطار الاختلاف والتعاون والتضامن دون إقصاء، وهناك أخلاقية عظمى وعليا يجب تعلمها من الطبيعة
- رفض الإقرار بوجود شعوب همجية إذ الهمجي هو من ينعت الآخر بالهمجي — فالهمجية ليست وجوداً فعلياً بل حكم مسبق نُكوّنه حول الآخر يعبّر عن سوء فهم
- اعتبار النسبية والاختلاف ثراءً وليس تفقيراً أي أن المختلف يغنيني
أليس الاختلاف مهدَّد بفعل العولمة؟ ما دلالة العولمة؟
III مخاطر العولمة (بودريار)
يجب التمييز بين العولمة والكونية:
- صيرورة انفتاح الاقتصاد المحلي على السوق العالمية، هاجسها ومحركها اقتصادي
- تقوم على: الاتصال، التوصيل، التسوق، السياحة، الخدمات، الإعلام
- تؤدي إلى تفكيك الهويات وضرب القيم وتوسيع الفوارق المادية الاجتماعية
- العولمة هي تبادل الإنتاج والبضائع وهي عنيفة
- تتعلق بالحقل القيمي والسياسي وترتبط بـ: الحقوق، الحريات، الثقافة، الديمقراطية، العدالة، الاختلاف كحق
- الكونية في تراجع تحت تأثير السوق أي أن العالم اليوم تتراجع فيه القيم لصالح الاستهلاك
- الكونية هي تبادل القيم وتقوم على الحوار والسلم
العولمة مسار اقتصادي ضروري فهي تقرب المسافات + تلبي الحاجيات الأساسية للإنسان + تضمن في مستوى مادي الرخاء والرفاه + تجويد لنمط الحياة + النمو الاقتصادي. لكنها تقترن بمخاطر أهمها:
- خطر على الاختلاف إذ تشكل العولمة تهديداً للتنوع
- إفقار الثقافات الغالبة المنتصرة إذ تضيع رموزها ولم تعد ملكاً لها
- إفقار للثقافات المغلوبة حيث يتمّ إدماجها بالعنف
- اندثار الكوني مما يؤدي إلى موت الثقافات
خطورة منطق العولمة
الخطر لا يعود فقط إلى ممارسات العولمة بل يعود إلى منطقها الداخلي الذي يتمثل في:
- العولمة تحطيم للخصوصي والكوني معاً
- انتصار الفكر الوحيد وتأسيس لحالة من الضياع
- التشكيك والهدم دون بناء بدائل
- التجانس والتماثل والانحراف
- فكر النهايات: مثل نهاية العقل، نهاية التاريخ، نهاية الإنسان، نهاية القيم
الحل لتجاوز العولمة
لا يمكن التخلي عن العولمة لأنها قدر الإنسان أي لا رجعة فيها، والحل في:
- اعتبار أن الهوية مركبة — ضرورة تجاوز التجانس والتماثل بفضل فكر مركب
- داخل كل تنوع هناك وحدة، وداخل كل وحدة هناك تنوع — يسميه الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة
- كل هوية موحدة لكن توجد داخلها تحت هويات تمثل تنوعاً مما ينتج احتراماً للاختلاف
- الاختلاف أساس خالق للثقافة — ما ينتج الثقافة ليس العرق وإنما التاريخ والتجربة والمحددات الطبيعية والمناخية والبيئية
- لا إمكانية للتعايش إلا بتمجيد الاختلاف — مقاومة فكر العولمة بفكر قيمي يحافظ على الخصوصيات وينمي الرموز الثقافية
- إقامة عولمة بديلة تفسح المجال للتبادل السلعي لكن تُولي أهمية للتبادل الثقافي والمعرفي والفني والجمالي
- الانتقال من ثقافة العولمة إلى عولمة الثقافة