ما الذي يُشرع للبحث في الشأن السياسي عامة وفي الدولة خاصة؟
أو ما الذي يجعل من الدولة مُشكلاً فلسفياً؟
ما يؤسس للبحث في الدولة جملة مبررات أهمها:
أ — الإنساني يتحقق في إطار سياسي
أي أن الإنسان في حالة غياب الدولة يميل إلى العودة إلى طبيعته التي تتميز بالشر، فالإنسان طبيعياً إلى الاعتداء على الآخر وتهديد بقائه وسلب ملكيته وتهديد حريته مما يجعل الوضع خارج الدولة متأزماً أي حالة حرب كونية، حرب الكل ضد الكل. لذلك يحتاج الإنسان إلى الدولة. فالإنسان لا يوجد إنساناً بل يصبح كذلك، إنسانيتنا لا تحصل إلا داخل الدولة.
إنسانية الإنسان رهينة الدولة
ب — مدنية الإنسان رهينة الدولة
يُعتقد عادة أن الإنسان مدني بطبعه أي يميل بصفة طبيعية إلى الاعتراف بالآخر والرغبة في العيش المشترك واحترام القوانين واحترام الفضاء العمومي وحق الآخر والرغبة في اللقاء. في حين أن الإنسان ليس مدنياً بالطبع بل مدني بالإكراه والاصطناع والإخضاع والقمع والقوانين والمؤسسات، أي فقط داخل الدولة يكون الإنسان مدنياً.
مدنية الإنسان تحتاج إلى الدولة
ت — الوعي بالذات يقترن بالوعي بالدولة
أي أن الإنسان خارج الدولة يمتلك صورة وهمية حول ذاته أو يقيناً زائفاً بالذات. ولا يكتشف ذاته ويتعرف عليها إلا داخل الدولة وبفضلها يكتسب الإنسان صورة حقيقية حول ذاته — هي حقيقة الذات.
الإنسان يعي ذاته ويتعرف على نفسه داخل الدولة
إنسانية الإنسان تحتاج إلى الدولة، مدنية الإنسان رهينة الدولة، اكتشاف الذات لذاتها يحصل داخل الدولة.
لكن قد تتحوّل الدولة إلى تحطيم للإنسانية وتحطيم للمدنية وتزييف للوعي — وذلك في نظام استبدادي.
I في السيادة وغياب المواطنة = الاستبداد
أ — تعريف الاستبداد
هو الحكم الذي يقوم على التفرد بالسلطة المطلقة ولا يقبل المشاركة أو المناقشة، لا يرتكز إلى قانون. الاستبداد ممارسة للسلطة لا تستند إلى أي حق وهو يقوم على استخدام امرئ للسلطة من أجل مصلحته الخاصة لا من أجل خير المحكومين.
ب — الاستبداد كأسلوب في الحكم
يقوم الاستبداد كأسلوب حكم على:
- التفرد بالسلطة المطلقة
- غياب المشاركة
- غياب المحاسبة والمراقبة
- عدم الاستناد إلى حق قانوني
- الخضوع إلى المزاج والأهواء والميولات والغرائز
- يعتمد الاستبداد على العنف بمعنييه: المادي الخام والرمزي (عنف الصورة والشاشة والإشهار)
الاستبداد كأسلوب حكم لا يعترف إلا بالقوة + رفض الحوار + تغييب العقل + تغييب المؤسسات + الابتزاز + الانفعالية
ت — منزلة الإنسان في السلطة الاستبدادية
إن الاستبداد لا ينتج إنساناً بل يصبح الإنسان:
- غير حر، يضطر للخضوع للأوامر التي تخدم مصلحة سيده
- جزء من القطيع، فاقد للإرادة والاستقلالية
- يُستخدم لتحقيق أهداف ليست أهدافه — ليس غاية بل وسيلة
- مجرد رقم داخل جهاز
يتميز الإنسان في النظام الاستبدادي بـ: غياب الاستقلالية + انعدام السيادة على الذات + الاغتراب + أي أن يصبح الإنسان آخر + التشييئ أي النظر إلى الإنسان كشيء من الأشياء.
الاستبداد تحطيم لإنسانية الإنسان وضرب لمدنيته وتضليل لوعيه. لذلك تكون الديمقراطية هي الحل الأمثل لتجاوز الاستبداد.
II في التوافق بين السيادة والمواطنة = الديمقراطية
أ — العقد الاجتماعي هو الضامن لتوافق السيادة والمواطنة
لا تتأسس الدولة على الطبقة لأن الأساس الطبقي ينتج استبداد الطبقة المهيمنة اقتصادياً. لا تقوم على أساس عقلي مجرد لأن العقل اجتماعي وتاريخي. لا تتأسس الدولة على الدين لأن الحكم باسم الدين يفضي إلى صراع التأويلات. ويُرفض الأساس الأمني لأنه بحجة الأمن يتم تهديد الحريات.
تتأسس الدولة الديمقراطية على العقد الاجتماعي إذ التعاقد يعني أن يتنازل كل فرد عن قوته الطبيعية وحريته الطبيعية أي عن حقه الطبيعي للحصول على أمن مضمون بقوة القانون والدولة وحرية مضمونة مسيّجة بالقانون ومحدودة به.
أي يتحول الإنسان من الحالة الطبيعية إلى حالة مدنية حيث يتنازل كل فرد عن إرادته الخاصة لصالح الإرادة العامة أي لصالح سلطة سياسية تحتكر العنف وتمنع الآخرين من ممارسته ويكون عنفها مشروعاً بشرط أن يكون قانونياً مما ينتج دولة شرعية.
هذا التنازل ضروري من أجل تحقيق وظائف الدولة.
ب — وظائف الدولة الديمقراطية
- تحقيق الأمن
- الحفاظ على البقاء
- حماية المجتمع والأفراد من بعضهم بعضاً ومن الغرباء — أي تجنيب المجتمع الحرب الأهلية
- تحقيق الخير المشترك
- تحقيق الحرية المسيّجة بالقانون
- تنظيم الغريزة
- ضمان الحقوق
ت — منزلة الإنسان في الديمقراطية
إذا كان الاستبداد ينتج عبداً، رعيّاً، أداة، وسيلة، فرداً — فإن الديمقراطية يصبح فيها الإنسان مواطناً.
- شريك أو عضو فاعل — جزء من الإرادة العامة
- له حقوق وعليه واجبات
- حق الانتخاب
- حق المراقبة والمحاسبة
- حق مقاومة العنف غير الشرعي الذي تمارسه الدولة
- واجب الامتثال للقانون
- واجب احترام حق الغير
- واجب الطاعة للقانون
المواطنة هي وضع قانوني للإنسان ضمن فضاء عمومي ناتج عن إرادة واختيار.
III حدود الديمقراطية
رغم أن الديمقراطية هي النظام الأمثل للحكم إلا أنها تشكو من عقبات وعراقيل أهمها:
- سلطة الأغلبية تهديد للحرية الشخصية
- مشكل الأقليات إذ الديمقراطية بوصفها حكم الأغلبية تمثل تهديداً لحقوق الأقليات
- المال السياسي إذ الديمقراطية مُهددة بالتفاوت الطبقي وبتوظيف المال
- العدوان والاستعمار ومصالح الدول المسيطرة تمنع من قيام الديمقراطية
الحل: المواطنة الكونية
يتمثل الحل في المواطنة الكونية إذ كلنا مواطنو كوكب واحد. ويعني ذلك أن الإنسان يستطيع حماية حقوقه لا كمواطن داخل الدولة بل كمواطن عالمي له حقوق كونية.
المواطنة الكونية: تجاوز حدود الدولة نحو حقوق إنسانية عالمية مشتركة